من المؤسف أن الحزن و الاكتئاب صارا عادة و التغني بهما صار أقرب إلى العبادة، الكل يتسابق لتنميق عبارات الحزن و الأسى و التعبير عما يختلجه من شعور بالوحدة و الخيبة أو حتى ما يخال أنه يختلجه، أجل قد يبدو ذلك غريبا لكن الإنسان يتقن الحزن و يغالي فيه أكثر من إتقانه عيش السعادة. صار الحديث عن السعادة ليس من الموضة في شيء و كل النصوص الرابحة فى المنافسات الأدبية و الملتقيات الشعرية و الفكرية هي تلك التي تبدع في رسم الحزن و تزيد معاناة المتلقي عندما تلامس كل أحزانه الدفينة، حتى .تلك التي نجح في اجتيازها منذ حين.
جرفني التيار و اعتبرت أن الوعي في إظهار الحزن و طفقت أشارك كل عبارات التأسي على منصات التواصل الاجتماعي حتى بت في حلقة مفرغة من الحزن لأجل الحزن و عشت سنين ضياع حتى فقدت تلك الطفلة المرحة في داخلي. لقد تلاشت موهبتها على الإضحاك لغرقها في إحزان نفسها.
شارفت على الإنهيار العصبي و كنت على شفا حفرة من العيش في دوامة العقاقير لكن شيئا ما داخلي، صوت خافت كان يردد دائما ما هكذا أردتِ أن تكوني، لطالما كان الفرح عبقك الذي تنثرينه أينما حللت.
شيئا فشيئا غصت أعمق فأعمق داخلي و أنار القدير دربي و اتخذت من الغوص في التفاصيل مذهبا لأبحث عن السعادة حيث إعتادوا أن يهجروها.
صرت أعمل جاهدة على أن أنهض و الابتسامة ملئ شدقي فأنا أنام بلا كوابيس، أنام ملىء جفني نوم الطفل الغرير. صارت خضرة الطبيعة، ألوان الأزهار الزاهية تفاصيل المد و الجزر، الغيوم المعطاءة و بعض الهواء النقي أقرب إلى قلبي. صرت أسير و أنا مؤمنة أن قلبي شجرة نقش عليها حب الحياة و التوق إلى المستقبل إلى الغوص في المجهول رغم كل الخسران الذي اعتراني و يمكن أن يعتريني. لكن ما خلق الإنسان إلا من أجل امتحانات تصقله و تشذب نفسه لتنطلق أعمق في غيابها و تنحت الطير الذي سيحلق بها عاليا في الأفق. إن السعادة ليست فيما نملك بقدر ماهي في تقدير ما حولنا من تفاصيل .
أجل صرت أرى سعادتي في أشياء لم تكن يوما لي و لن امتلكها أبدا بالمعنى التقليدي السطحي للإمتلاك، إني أمتلكها بقلبي الذي صار أشبه بعالم آخر له أبعاده و خصائصه.
إنني أرى سعادتي مع إشراقة شمس كل صباحو أرنو إليها مع اقتراب صوت المآذن، مع انتشار عبق الفجر و عقب كل ليلة ممطرة . كل هذه التفاصيل تلامس قلبي و تمسح عنه الأسى، تجعله يرفض التغني بالحزن و لا يبحث إلا عن تلك الطفلة المرحة التي تحل و السعادة نفس الحل .....